“في طفولتي كان معيباً أن نعرف عن أسماء أمهاتنا”… أسماؤنا في الوطن والغربة

منذ بدأت الرسم وقّعتُ أعمالي بثلاث طرق مختلفة، بأسماء ثلاثة كلها أسمائي! 

في البداية حين كنت لا أزال في سوريا تألف توقيعي من اسمي الأول مع اسم عائلتي باللغة الإنجليزية. ثم أصبح في سنواتي الأولى في السويد اسم العائلة بالإنجليزية.

 والآن صرت أوقع باسمي الأول فقط، لكن باللغة العربية.

 تبدل توقيعي بتبدل شعوري تجاه اسمي. الاسم هو الهوية الأولى التي تنقل للآخر من أنت، ومن تكون. 

(ورد) بالعربية هو أكثر ما يشبهني الآن، فماذا أريد أن أقول من خلاله؟ في البداية أنني عربي، نما هذا الانتماء داخلي كلما ابتعدت عن الوطن. 

تعلمك البلاد التي أتيت منها كرهها عندما تقسو عليك بفعل ظلم حكامها وفساد أنظمتها. تحاول الهرب منها بكل الطرق لتنجو، لكن ما إن تغادرها حتى تعود إليها بكل شيء فيك.

 تدرك حينذاك أن الوطن ليس مكاناً، بل تجمع لتفاصيل شكلت هويتك وأناك واسمك.

 لكن هل يتسع اسمي لحاضري الجديد ويصلح له؟

 في السويد ينادونني (vard) لعدم وجود صوت حرف (وَ)أو (w) بالإنجليزية. 

في البلاد الجديدة لا معنىً لاسمي هو صوت فقط. 

اسم جديد قبل توقيع عقد العمل 

في السويد، يسعى بعض المهاجرين العرب لتغيير أسمائهم كي تصبح حياتهم أسهل. والمقصود بالحياة الأسهل فرص الحصول على العمل. لأن هناك عدداً من أرباب العمل الذين يهملون قراءة السيرة الذاتية الخاصة بالمتقدمين من الأجانب  بمجرد إدراكهم أن الاسم لأجنبي. يفضلون المواطن على القادم الجديد ويثقون به أكثر، مما دفع البعض لتبديل أسمائهم، يختار هؤلاء أسماءً سويدية، وفي أحيان كثيرة لا يبدلون اسمهم الأول بل اسم العائلة فقط. 

كما يميل أغلب المهاجرين لتسمية أبنائهم الجدد بأسماء حيادية لا تدل على دين معين أو أصلٍ بعينه مثل اسم آدم ، أو نوح ، أو سام.

تساعد ميزة الاسم الأول المركب (أن يتألف الاسم الأول من اسمين) على إرضاء ماضي القادمين وضمان سلامة مستقبلهم فيسمون أبناءهم باسمين الأول عربي قد يكون اسم الجد مثلاً، أما الثاني فاسم غربي لا يجعل من الطفل غريباً عن وسطه في المدرسة، ومستقبلاً في العمل. 

بحسب الإحصائيات للأسماء في السويد  لعام 2021، احتل اسم (أليس)  قائمة الأكثر تسمية للبنات وقد أُطلق على 706 فتيات.  بينما اسم (نوح)  كان الأكثر تسمية لدى الذكور.

 تتصدر (أليس) القائمة للعام السادس بينما يتصدر نوح القائمة للعام الثاني على التوالي. 

الاسم بناء قد تضطر لترميمه

هناك من أمضى حياته يكدح في بناء اسمه ليصل إلى المهجر وتصير قيمة هذا الاسم صفراً. 

البارحة في حديث مع صديقتي الفنانة، واسمها (صديقة)، تعمل في النمسا في ترميم الآثار وصفت لي جمال ما تفعله. قالت: “أرمم قطعاً كانت في يوم من الأيام أموراً حياتية بسيطة مرّ الناس بها كمسلمات دون اهتمام. مرور الوقت أعطاها قيمة عالية جداً. ببضع إضافات تبعثُ من جديد، أعيدها للحياة”.

أفكر بمن جدد اسمه الذي كان قد نشأ عليه. عرف نفسه به منذ الولادة، بناه بدراسته، عمله، التزامه، وتضحيات كثيرة. صار عليه أن يرممه بحروفٍ جديدة تصلح للحياة الجديدة.

 تتابع صديقتي:و”لن أبدل اسمي! أسماء بنات العائلة كلها عصرية، أما أنا فقد أخبرني أبي أنه عندما رآني لأول مرة، قال هذه هي (صديقة) وصديقة هو اسم أمه! هل تفهم معنى هذا؟ أعطاني أغلى ما لديه، اسم أمه”. 

 

أعرف من ربط اسمه بعد الغربة باسم والديه دلالة على استمرارهما فيه. أصدقاء لي على صفحات التواصل الاجتماعي وبعض أقاربي أيضاً، كتبوا أسماءهم الثلاثية في صفحاتهم الشخصية لا سيما منهم الذين فقدوا آباءهم وأمهاتهم في الغربة دون أن يتمكنوا من وداعهم. 

هذا بعثٌ من نوع خاص أن تحيي اسم من تحب بأن تربطه باسمك. أن تطيل عمر اسمه بأن تمنحه عمر اسمك، تعريف للحب بأسمى حالاته. 

في شكلٍ آخر للحب صار البعض ينسب نفسه لأمه، وهو ما لم يكن موجوداً من قبل.

درجت العادة أن يُنسب الشخص لوالده حسب الموروث الشرعي، والاجتماعي، والقانوني. لكن مع تعالي الانتهاكات الممارسة من قبل الرجال في المجتمعات الذكورية، وتنامي الوعي بهذه الممارسات نتيجة تأثير نشاط الحركات النسوية. سعى البعض لتعزيز دور المرأة والاعتراف بأهميتها لا سيما من الإناث من خلال التعريف بنفسها بذكر اسمها مقترناً باسم أمها.

تستطيع في السويد أن تبدل اسم عائلتك لتأخذ اسم العائلة الخاص بوالدتك لا أبيك وهو ما يعتبر مستحيلاً في الدول العربية. 

في طفولتي كان من المعيب أن يُعرف اسم الأم لأحد الصبيان في الصف. وقد يؤدي اكتشاف اسم أم أحدهم إلى سلسلة معارك لا تنتهي. 

كان يستخدم الاسم للإهانة وذلك ناتج من ثقافة أن المرأة وكل ما يتعلق بها عورة ويجب ستره.

 تبدلت هذه الثقافة مع الأيام بفعل استمرار النضال لتحرير المرأة من الذكورية.

 واليوم يفخر الكثيرون بأمهاتهم ويحملون أسماءهن.

 تقول صديقتي شيرين مستغربة: “لماذا لا يحق للمرأة أن ينسب ابنها لها؟”.

 وتصف علاقة الأم بطفلها: “الحبل السري بين الطفل وأمه ليس مادياً، هو ارتباط روحي يستمر مدى الحياة”.

الاسم يحمل تاريخ المكان

هل الاسم مجموعة حروف تدل على معنى معين أم أنه تاريخ وهوية؟

كانت لأسمائنا في بلادنا دوماً دلالةٌ ومعنى، وفي أحيان كثيرة هي إرث لا تستطيع الفكاك منه أو النجاة من مسؤوليته.

كتبت يوماً حين كنت أبني اسماً يصلح لي ويتكئ عليه الآخرون.

أن تختبئ في اسمك، يا لهذا القناع المرتي

الغني، كليل تمضيه في تلميع كذبة !

اليوم صرت أنا الذي أخبىء اسمي خوفاً من أن يسقط سهواً على مفترق الهوية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تم نشر هذا المقال على موقع رصيف 22 هنا

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: