أن تكون أحدباً في نوتردام ! 

 

 
حسنا، ماذا الآن ؟ أنت رحلتي لم يعد لدي ما أخشاه.لم يعد لدي ما أخاف خسارته .لا قلقا يشل أطرافي ولا أرقا يسرق النوم من عيني. أمشي بظهر مستقيم و رأس لا تلتفت .. أذكر جيدا أنني كنت دائماً أحني ظهري قبل أن أُغادر البلد و قد ظننت السبب في ذلك استخدامي الطويل للحاسوب وتسمري لساعاتٍ أمام شاشته ، لطالما أزعجني انحنائي فقصدتُ نادٍ للرياضة و رحتُ أتدرب بانتظامٍ لأشد عضلات الرقبة وأحصل على الرأسٍ المرفوعة التي أريد. و اليوم بعد سنوات أقف أمام المرآة أجهز نفسي للخروج مع الأصدقاء بينما أستمع لنشرة الأخبار بحكم العادة. شريط أحمر مفاجئ يتوسط الشاشة خبرٌ عاجل “النار تلتهم كنيسة نوتردام!” ياه! تخيفني النار وهي تلتهم برج الكنيسة الأثري بينما أتذوق طعماً مراً في حلقي. لا أدري لعل للخسارة طعم مر، لكنني أتجاهله وأشفق على كوازيمودو (بطل الرواية) هو طفل أحدب لقيط قبيح المظهر ابن عائله غجرية أتت إلى نوتردام بهدف السرقة ولكن فرولو امسك بهم وهربوا وبقي كوازيمودو معه ليربيه القس في كنيسة نوتردام. قد أصبح اليوم بلا وطن مثلي تماما.لكن هل يعني ذلك موته أم تحرره؟ فكوازيمودو سيغدو اليوم أحدباً فقط . محرراً بعد الآن من قيد المكان مجرد مسخ ككل المسوخ ! فربما ليست المشكلة أن تكون أحدباً بل كل المأساة تأتي من أن تكون مسخ مكان ما ؛ذلك سيجعلك موصوماً بشكلٍ أو بآخر. ففي نهاية المطاف كلنا مسوخ أمام وحش “اللازم” أو داخل القالب المعد لنا مسبقاً لنكون مثاليين أو خلال سعينا لنكون ذلك بأقل تقدير .لكل منا حدبته، البعض في قلبه ، البعض في عينيه، و أخرون في أرواحهم !ذلك المسكين نمت حدبته في ظهره لتعري اختلافه للعيان، لكن ما أدرانا أن تلك الحدبة هي تشوه في ظهره ؟ لعلها ندبة في القلب تضخمت و زاد ثقلها لتصل أحد الكتفين وتكوره ؟ فمن منا لا يتكور إذا ما طُعن؟ نحن القادمون من بلاد الشمس من مجتمعات تتخمنا بالحب المصمم على شكل سجون نعرف التكور ونتقنه جيداً. فنحن دائما في خوفٍ من أن نخسر من نحبهم خوفاً من طعنة ما. ، تجدنا نقلم أطراف رأينا ليكون على مقاس قبولهم”سجونهم” لا نريد أبدا أن نسبب لأحدهم الألم فنعطيه القلم ليلون مرآتنا بما يرتأيه . لكن من يرتدي وجهان سرعان ما ينسى أيهما وجهه الحقيقي مع الوقت ننسى من نكون و نعتاد أن ارتداء الآخرين المنصبين كحكام كجسر نرضى برضاهم عن ذاتنا. واليوم بعد أن احترق البلد و هربنا كلٌ و حدبته اكتشفنا أثناء ركضنا ثقلها أنت لا تستطيع المضي بثقلٍ كهذا . لذا رميناها كحجر رجمنا به وهم المرآة و خرجنا منها إلينا فارتفعت رؤوسنا . وللمرة الأولى صار السؤال عن الهوية لا يعني البطاقة الشخصية بل أصبح يعني ( من تكون؟) اليوم عندما أقف و أجد نفسي قد صرت أطول مما كنته أدرك أن حدبتي كانت من خوف .خوف خسارة من أحب خوف الإختلاف عن النمط و الإرتجال عن اللحن الرتيب ،شعوري اليوم بالخفة ليس لأني هنا بالتحديد بل كل ما في الأمر أنني لست هناك . فأنت حين تحمل رأسك وحده تملك الجهات على عكس الثبات يوم حملت روؤس القبيلة. واليوم صرنا نعرف أن للحب مفهوم مختلفٌ تماماً عن التبعية ، فإن تخسر جزءا منك لتكسب القبول فلا أنت حرٌ و لا الآخر محب فالعاطفة لا تكون مشروطة و إن كانتكذلك فهي محض استنزاف ،تسحب طاقتك و تتركك فريسة لجلد الذات . ربما تركنا البلد وهي تحترق ليس فقط هرباً من الموت الجسدي بل من احتضار أرواحنا في سجن القالب الواحد المعد لكل السوريين لم نكن نحن من في الداخل كانت مسوخنا . و من طبع السجين ألا يُدافع عن سجنه. السجن الحقيقي هو حدود العقل .و العقل القائم على لونٍ واحد ينتج تفكيراً مقيداً ، لقد بنونا كمساجين لا كأفراد و إن لم تحصرنا جدران زنزانة. بنوا سجنا في روح كل منا و لا زلنا إلى اليوم نكسر أنيابها الغير مرئية داخلنا . الوطن ليس مكانا فقط بل محيطا وفكرا و فردية ،و اليوم أجدني أراقب أصدقائي الكثير منهم يتجنب من عاش وسطهم سنوات طويلة و يغربل صفحته على الفيس بوك من معظم أقاربه أو جيرانه فلماذا؟ و متى نكون غرباء الآن أم في السابق؟ هل اللغة هي من تحدد انتماءنا أم قدرتنا على قول الحقيقة بها متى و أمام من نريد ؟ الثورة لم تنتهي الثورة حدثت داخل كل شخص منا ، ولا زلت مشتعلة. أظن أننا يوما ما سنلتقي و كل منا قد اجتاز حروبه ليس بالغد القريب ربما لكن سيحدث . و حينها سنتعرف على بعضنا كسوريين في كل مكان . لذا لا تخاف الوحدة يا أحدب نوتردام . فالغربة يا صديقي أن تكون أحدب نوتردام بدلاً من أن تكون أحداباً فقط يعيش في نوتردام .

#ورد_الآن

رد واحد على “أن تكون أحدباً في نوتردام ! ”

  1. جميلة جداً ورد .
    محاولة اظهار المثالية والسعي الدائم وراء الكماليات فيه مافيه من السذاجة .فالتأبى ايها الحر ان تكن الكلب الراكض باتجاه لم تحدده قط ! لاهثاً وراء الهواء الخاوي الذي اوهمك به من يظن انه مالكك بل واوحى لك ان مارماه هو افضل شيء لا بل اكمل شيء.

    إعجاب

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: